التوبة
التوبة في معناها الشرعي هي الرجوع عن الذنب، والندم عليه، والعزم الصادق على عدم العودة إليه، مع تصحيح المسار والعودة إلى طاعة الله. وهي ليست حكرًا على أصحاب الذنوب العظيمة، بل هي حاجة دائمة لكل عبد، فالمؤمن يتقلب بين تقصير واجتهاد، ولا غنى له عن التوبة في كل حال.
وقد فتح الله سبحانه باب التوبة لعباده، ودعاهم إليها دعوة صريحة مليئة بالرحمة، فقال جل وعلا:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
فنهى عن القنوط واليأس، وأكد أن مغفرته تشمل جميع الذنوب لمن تاب وأناب.
وجاء في الحديث القدسي الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن الله تعالى قال:
«يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة».
وهذا الحديث يرسخ في القلب سعة رحمة الله، وأن الاستغفار الصادق يمحو أعظم الذنوب.
ومن رحمة الله بعباده أنه يحب العمل الدائم ولو كان قليلًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
فالتوبة ليست لحظة عابرة، بل هي منهج حياة، واستقامة مستمرة، وتجديد للعهد مع الله.
كما وعد الله عباده بالقرب منهم إذا تقربوا إليه، فقال في الحديث:
«من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».
وهذا يبعث الطمأنينة في نفس التائب، ويؤكد أن الله أسرع إلى قبول عبده من رجوع العبد إليه.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع عديدة، فقال تعالى:
{أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم}
وقال سبحانه:
{والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا}
وقال جل وعلا:
{وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}
فالتوبة إذن نعمة عظيمة، وباب مفتوح لا يُغلق ما دام العبد حيًا. وهي دليل محبة الله لعباده، وحرصه على نجاتهم، ودعوة صادقة لكل من أخطأ ألا ييأس، بل يعود إلى ربه بقلب منكسر، وأمل صادق، وثقة كاملة برحمة الله الواسعة.